قراءة المستقبل في مرآة الماضي

16 أبريل 2009

ولكن ، هل يمكن أن نفهم الماضي من خلال خطوط صمّاء ، تتلوى على صفحة شاشة خرساء ؟
وإن نحن فهمنا هذه الخطوط ، وأحسننا قراءتها ، وأتقننا فكّ رموزها ، فهل يعقل أن نحسن توقع أشكال خطوط الغد ، من خلال فهمنا لمعاني خطوط الأمس ورموزها ؟
أيعقل ترى ، أن نستقرئ المستقبل ، إنطلاقا من فهمنا لأحداث الماضي ؟

نعم ، إنّ هذا لممكنٌ . إنّ هذا لممكنٌ .

إنّ قرار كلّ عملية من عمليات البيع والشراء التي أجريت في سوق من الاسواق أسهما كان أم عملات ، إنما اتخذه إنسان ما ، في مكان ما ، وفي وقت ما ، ولسبب ما قد يكون مرتكزا على أصول عقلية منطقية ، أو على أخرى نفسية إنفعالية بحتة ، كما إنه قد يكون - كما هو الحال غالبا - نتيجة تفاعل وتداخل بين عوامل عقلية ونفسية معا .

نعم إنّ كلّ هذه القرارات إنما صدرت عن أناس ، بل قل : عن فيض من التحليلات والافكارالتي انتجتها عقول هؤلاء الاشخاص ؛ فاختلطت بفيض من مشاعر ضاقت بها صدورهم ، وانفعالات عبقت بها نفوسهم ، واضطرابات جاشت بها قلوبهم ، لتترجم فيما بعد صفقات بيع وشراء ، نرى انعكاساتها على الشاشة أمامنا ، عبر رموز تتزاحم لتنقل الينا رسما يبيّن ترجمة لها ، رسما يسميه الخبراء : الشارت .

فالشارت ، عزيزي القارئ ، إن هو إلا ترجمة مباشرة لتصرفات المتعاملين واللاعبين على هذه الحلبة ، كبارا كانوا أم صغارا . أن هو إلا تخطيطا دقيقا لدقات قلب يضخ الدم في جسم هائل ، وإشارات دماغ يسّير هذا الجسم ويتحكم بحركاته كلها . ومن أجل فهم هذه التحركات الظاهرة على الشاشة ، لا بدّ أن نرى - أو نتخيل على الأقل - اليد القوية المحركة لها ، وان نفقه - أو نتصور على الأقل - القوة الخفية الكامنة وراءها .

وإن نحن فهمنا ما يجري أمامنا اليوم ، وما جرى أمامنا بالامس ، وما قبل الامس ، فهل يصحّ ان ننقل هذه الاحداث الى الغد ؟ هل يصحّ ان نستنبط منها ما قد يكون عليه المستقبل ، وأن نحوّل استنباطنا ، إن هو أصاب ، الى صفقات كثرت الرابحة بينها وندرت الخاسرة ؟

نعم ، إنّ هذا لممكنٌ . إنّ هذا لممكنٌ .
أما البرهان على ذلك ، فانما يتمّ بالمعادلة التالية .

إنّ ردات فعل الانسان حيال ظروف أو أحداث متشابهة ، تكون غالبا متقاربة ، إن لم نقل متشابهة كلّ التشابه . وهذا ما يمكن لكل واحد منا أن يستنتجه من حياتنا اليومية إن هو دقق الملاحظة ، وركّز الانتباه .
إن كثرة معايشتنا لشخص من الأشخاص ، سواء انتمى الى أفراد العائلة ، أو الى دائرة الاصدقاء ، تجعلنا قادرين على تصور ما قد يصدر عنه حيال حدث معين من تصرف بناء على ما راينا منه في مناسبات مشابهة سابقة . نحن نعرف انه قد يثور ويصرخ ويشتم في حالة ما ، لانه ثار وشتم وصرخ في السابق في حالة مشابهة . ونحن نعرف انه سوف يصمت ويطأطئ الرأس ويحزن أمام خبر ما ، لأنه صمت وحزن وطأطأ الرأس أمام حدث مشابه .
وما يصحّ قوله في الانسان الفرد ، يصحّ كذلك في الجماعة ، قليل كان عددها أو كثير . فتصرّف الجماعة حيال حدث ما،لا يختلف عن تصرّف الفرد ، ويمكن استباقه وتخيله وتقديره ، من قبل الفلاسفة ، وعلماء النفس ، وعلماء الاجتماع . وهو يكاد يكون واحدا حيال خبر مفرح كاكتساب النصر في المعارك ، والغلبة في الحروب ، كما حيال خبر محزن كالخسارة الوطنية العامة ، أو الزلازل والكوارث .
وأن كان يصحّ أن يكون هذا التصرف واحدا في حالات معروفة من قبل العامة ، ومشهود بها من قبل الاختصاصيين من علماء النفس والاجتماع ، فلماذا لا يكون واحدا ايضا ، في حالات مشابهة تعيشها هذه الجماعة في سوق البورصة ، بحيث أنها تتعرض لنفس الانفعالات النفسية ، فرحا وحزنا ، فتنتج عنها تصرفات مشابهة لتلك الناتجة عن النصر أو الكارثة ، وتترجم فورا الى قرارات ، وتتحول هذه الى أفعال ، وترتسم الافعال رسما بيانيا ، يسمونه شارت ؛ فينكبّ عليه المحلل التقني دارسا ، مستنطقا ، مستقرئا ، مقارنا ، مشبّها ؛ ولا يزال به الى ان تتكشف له أسرار ، وتتفتح له أبواب ، وتتقشع له دروب ، فيخرج على الملأ بنظريات ، تكوّن ركائز علم جديد فيه الغثّ وفيه الثمين . تماما كما في كل علم وتماما كما في كل فنّ .
وهل المحلل التقنيّ سوى عالم نفس واجتماع ؟
أليس العاملون في البورصة أناسا كما غيرهم من الذين يشكلون حقل تجارب ، أو مادة دراسة لعلماء النفس المعروفين ؟
ألا يخافون من خسارة ويحزنون لها ؟
الا يهللون لنصر ويفرحون له ؟
ألا يحبون ، ويكرهون ، ويطمعون ، ويحسدون ، ويغيرون ، ويخشون ، ويياسون ؟
فلماذا اذن لا يكون لهم علماء خبراء ، يهتمون بتحليل انفعالاتهم هذه وتسجيلها ؟
لماذا لا يكون المحلل التقني ، هو عالم النفس هذا ؟
ولماذا لا يكون التحليل التقني وسيلة مثلى لاستباق أحداث المستقبل ، انطلاقا من أحداث سابقة حصلت في الماضي وفي ظروف مشابهة ؟
نعم إنه لكذلك ، وستبقى له هذه الاهمية طالما ان العاملين في السوق بشر كما غيرهم في ميادين الحياة الاخرى . فتصرفاتهم واحدة . تروح وتجيء . تموت لتحيا . وهي أبدا في حركة دائرية لا تنتهي .
والبورصة ، ما البورصة ؟ إن هي إلا كائنا حيّا كما كلّ الكائنات .

إن شئت أن تعمل جمّالاً عليك أن تعلّي عتبة دارك

16 أبريل 2009

مثل عربي معروف ، فيه ما فيه من العبرة والتفكه . ان ذكره اللبنانيون والسوريون قالوا : البدو يعمل جمّال بدو يعلي عتبة دارو .
خطا الاوروبيون خطوات جبارة في توحيد قارتهم ، وما ان وصلوا الى توحيد العملة حتى اشتدت المخاوف من احتمال الفشل ، وارتفع معيار التحدي ، إذ لا يجوز ل ” مسيو يورو - او - هارر يورو ” أن يكون اقلّ شأنا من ” مستر دولار ” .
قوة العملة هي ، ولا شك ، تعبير وانعكاس لقوة اقتصادية ، واستقرار سياسي ، وبحبوحة داخلية ، وثقة خارجية . عوامل تتضافر كلها لتخلق حالة من الهيبة التي يطمئن لها ااخاطر ويطرب بها الفؤاد .
الاوروبيون ، كلّ الاوروبيين في منطقة اليورو، عامة شعب وسياسييين ، طربوا وانتشَوا ، يوم انطلق اليورو مساويا للدولار ثم ارتفع بعد أيام قليلة ليبلغ ما يزيد على ال 1.1500 دولار. ولم يطل الامر على هذه الحالة حتى عاد الى التراجع واستمر فيه الى أن دقّ ابواب ال 0.7000 سنتا . يومها كانت التنهدات تسمع في منطقة اليورو ، وكان الترقب سيّد الموقف . وكان الخوف من الشماتة كبير .
ولاسباب لسنا الان في وارد تفصيلها بدأ العد العكسي ، وعاد القطار الى المسار بالاتجاه الصحيح ، وها نحن اليوم على ابواب ال 1.3500 . فما ردّة فعل الاوروبيين على ذلك ؟
لا شكّ في أن عامة الناس ينظرون الى الوضع نظرة الافتخار والزهو ، فعملتهم قد تمكنت من التفوق على الدولار وقهره . عملتهم باتت اليوم تاخذ مكانها على المستوى العالمي بسمعة بيضاء نقيّة طاهرة ، هي تطمح ان تحتل المركز الاول عالميا كعملة احتياط . هي على وشك ان تسلب الورقة الخضراء عرشا تربعت عليها الاخيرة عقودا كثيرة . ” منذ ولادته في العام 1999 ، تمكن اليورو من جذب ما يقارب خُمس الاحتياط النقدي العالمي . فهو احتوى جزءا ارتفاع من 13.5% عام 1999 الى ال 19.5% العام 2003 ” . انه خبر مفرح ومبشر . ولكنه ياتي في وقت غير مستحب .
عملة احتياط عالمية ، ثقة فائقة باليورو على مستوى البنوك المركزية الدولية ، الكثيرون منهم يشيحون نظرهم عن الدولار ، يخرجون منه ، يميلون نحن عملة القارة الموحدة ، هي تستهويهم بما لها من بريق عذري لم يمَسّ . الروس ، الصينيون ، الكثير من بنوك الشرق الاوسط ، يعون خطورة الموقف . هم يريدون التحول بجزء من احتياطهم النقدي من الدولار الى اليورو . اجل بين ليلة وضحاها بات اليورو عملة احتياط عالمية .
ولكن ما الذي قد يعنيه هذا للاوروبيين ؟
عامة الناس فخورون . هذا نلمسه بالتحدث معهم . هم لا يقدرون خطورة الموقف . السياسيون قلقون ، يحذرون ، يطالبون البنك المركزي الاوروبي بعمل شيء ما . السيد تريشيه يحاول ، هو يحاول بوسائل عدة ، يحاول اقناع الاميركيين بعمل موحد لمنع هذا التحول المفاجئ في اسواق النقد . الاميركيون يشيرون بوجههم عنه . يقولون لا شأن لنا بذلك . لا مصلحة لنا بان نكون عملة الاحتياط العالمية الوحيدة ، شاركونا بهذا الفخر ، هم يقولونها وعلى الشفاه ابتسامة ساخرة .
يميل السيد تريشه الى الاسيويين ، يريد منهم شراكة فعلية للتدخل في السوق شراء للدولار ، من اجل منع هذا التراجع المتعب للجميع . الآسيويون يفتشون مثله عن دواء ، ولكنهم جربوا الكيّ في الماضي ، أوجعهم الكيّ كثيرا ولم يجدِ نفعا . اليابانيون كلفتهم التدخلات السابقة في السوق ما يقارب المئتي مليارا من الدولارات ، النتيجة كانت خيبة وراء خيبة . في كل مرة كان اليابانيون يتدخلون شارين للدولار ، كان السوق يهلع صعودا بحركة جنونية مرعبة ، ثمّ ، وبكل برودة اعصاب يبرز على الساحة من يعاود بيع ما اشتراه اليابانيون فيعود السعر الى أعماق أكثر آيلاما من السابقة .
ماذا جنى اليابانيون ؟ جنَوا امتلاكهم لمئتي مليار من الدولارات ، اشتروها باسعار يزيد نصفها عن ال 110.10 ، وهم الان يحملونها ، عارفين ان الدولار سيتراجع الى ما دون ال 100.00 ، وعارفين ايضا ان الخسارة التي تكبدوها لا بد من الانتظار طويلا لتعويضها . لذا لا بد من استبعاد امكانية التفاهم بين الاوروبيين واليابانيين على تدخل مبرمج ومدروس في السوق ، فاليابانيون لن يعرضوا انفسهم للدغ من الجحر مرتين .
ماذا بقي امام السيد تريشه ؟
تخفيض الفائدة . هي حلّ من الحلول المطروحة . ولكن هل سيقوى هذا الحل على وقف ارتفاع اليورو ؟
نعتقد انه سيقوى على تبريد الحماوة الحالية ، ولكنه لن يكون الحل الناجع على المدى المتوسط والبعيد . وهو الى ذلك ينطوي على مخاطر كثيرة ان تم الاقدام عليه وسط اجواء غير تضخمية تستدعيه . اذ لا يضمن احد اذذاك عدم الانزلاق شيئا فشيئا الى باحة الركود الاقتصادي ، فالدواء المعطى لم يكن المناسب للداء الموجود .
وباختصار فان التدخل في السوق مستبعد حاليا ، وتخفيض الفائدة على اليورو مستبعد ايضا ، للامرين محاذير كثيرة ، ولا بد من اخذ الامور بالتروي .
اجل ، انه لمن المستحب ان يرى المواطنون عملتهم تتحول الى عملة احتياط عالمي . انه لمدعاة للفخر ان يرى الاوروبيون هدفهم و قد تحقق بسنوات قليلة جدا ، هدفهم المتمثل باعادة شيء من التوازن الى النظام المالي العالمي ، وبانتزاع جزء من العزّ الذي احتفظ به الاميركيون لانفسهم طيلة عقود . انه لمن دواعي السرور ان تتحول العملة الى عملة احتياط دولي وتتدفق اليها الرساميل من كل حدب وصوب ، فتساهم في تمويل العجز ، بل تقف حاجزا دون حدوثه . هذا كان الحلم الاكبر للاوروبيين ، سياسيين واقتصاديين .
وها هي الامنية تتحقق ، الرساميل تتدفق ، فاذا بها تصير عبئا . تدفقت الرساميل في وقت غير مناسب . الدولار يتراجع بقوة ، الرساميل تتدفق على اوروبا ، يساعد هذا على ازدياد تدحرج الدولار . إذن ما كان بالامس أمنية ، صار اليوم عبئا .
والمقلق في الامر ان اليورو يرتفع دون ان يعكس في ارتفاعه وضعا اقتصاديا وسياسيا اوروبيا مطمئنا ، فالنمو الاوروبي لا يشكل الا نصف النسبة الذي يقدر بها النمو الاقتصادي الاميركي .
نعم أراد الاوروبى ان يدخل حلبة النقد الدولية من بابه العريض . فتح له الاميركي اليوم الباب على مصراعيه . دخل ، ويبدو انه يتوه في هذه الارجاء الواسعة . يبدو انه سيستغيث ، الاميركي يتفرج ، ويبتسم . الاسيوي لن يقوَ على الاغاثة .
كان على الاوروبي أن يعرف ، كان عليه أن يقرأ الامثال العربية : “من يريد ان يعمل جمّالاً عليه أن يعلّي عتبة داره ” .

على ماذا تعتمد في قرارك لفتح الصفقات

16 أبريل 2009

شديد الاهمية سؤالك هذا . فائق الحساسية هو . يوحي برغبة تجسسية هائلة . أقرأ في كلماته غزوة عربية لا رحمة فيها . أخشى الاتهامات بالتكتم على ما قد يكون فضحه مفيدا . اشعرتني بمسؤولية ضخمة .
أبغيت مني جوابا مختصرا ، صادقا ، قلّ كلامه ودلّ معناه ؟
أقول : اعتمدت في قراري لفتح صفقاتي على نفسي ، وعلى نفسي دون سواها .

أمزاح أم هروب الى الوراء؟

لا بل إيجاز ووصول الى الهدف من أقرب الطرقات وأسهل السبل .
أعتمد على نفسي . ونفسي هذه من تراها تكون ؟
إحص ِ لياليَ لا تحصى ، لياليَ امضيتها في فك رموز شموع ترتسم امامي على ما يسمونه رسما بيانيا . أضف اليها اياما كثيرة عرفتها مقارنا لحالات ألمح في وجوهها شبها ، محاولا إيجاد وجوه خلافها . زد على هذا لحظات شك وخوف وتردد ، لا يمكن لامرئ ان يشعر بأمرّ منها . إجمع الثلاثة إلى حالات خسارة ، تحني ظهرا ولا أصلب . أضف كل ذلك الى عزم ٍ شديد ٍ عنيد ٍ رشيدْ .
إفعلْ كلّ ذلك ، تقعْ على نفسي .
ما من أحدٍ ولا من شيءٍ , ما من كتابٍ ولا من برنامج ٍ , ما من مدربٍ ولا من دورةٍ ، يستطيع أن ينفعني ، أو تستطيع أن تنفعك ، في اتخاذي لقراري ، او في اتخاذك لقرارك ، كما تستطيعه نفسي ، وكما يجب أن تستطيعه نفسك .
ونفسي هذه من تراها تكون ؟
نفسي هذه ليست المؤلفات التي عملت على ارتشاف محتوياتها ، وليست المقالات التي انصرفت الى التدقيق بتفاصيلها ، وليست النظريات التي انكببت على تحليلها ، وليست التحاليل التي بدأت باختبارها .
نفسي هذه ليست الشموع اليابانية ، ولا خطوط الدعم والمقاومة ، ولا خطوط الترند المتصاعد والمتراجع ، ولا القناة المنحصر السوق بين خطيها ، ولا تقسيمات الفيبوناكسي ، ولا موجات اليوت .
نفسي هذه ليست الخطوط المتوسطة الانسيابية ، وهي ليست مؤشرات ال RSI أو ال MACD ولا ال STOCHASTIC ولا غيرها الكثير الكثير من امثالها .
نفسي هذه ليست البيانات الاقتصادية الصادرة عن مؤسسات الاحصاء ، او عن وزارات التجارة والمالية العالمية ، أو عن البنوك المركزية المختلفة .
نفسي هذه ليست مستوى التضخم ، ولا مستوى ثقة أو ائتمان أو سعر المستهلك ، ولا هي الناتج المحلي الاجمالي ، ولا مبيعات التجزئة ، أو السلع المعمرة .
نفسي هذه ليست قرارات رفع الفائدة او تخفيضها ، هي ليست تصريحات السيد جرينسبن ، ولا بيانات السيد تريشه ، او مناورات غيره من رؤساء البنوك الممتلكة لقدرة التاثير في تحريك السوق صعودا او نزولا .
نفسي ليست واحدا من كلّ ما تقدم ، فهل تكون نفسي كلّ ما تقدم ؟
نعم قد تكون ، أو قل إنها لكذلك .
إنّ ثمة شيء أعرفه وأؤكده وأتذكره وأحبه وابوح به ولا أخفي سرّه :
نفسي هي عصارة ذلك الكمّ الهائل ، وخميرذلك المزيج الدسم ، من التعلّم ، ومن التعليم ، ومن التجارب ، ومن الدروس ، ومن الاخطاء ، ومن العبر ، ومن الخوف ، ومن الوهم ، ومن الطمع ، ومن القناعة ، ومن الخيبات ، ومن النجاحات ، ومن الرعشات ، ومن البسمات .
نفسي هي انتفاضة الرماد بعد انكسارة الافلاس ، ومن لم يعرف الافلاس مرة لا يمكن ان يعرف للربح قيمة . نفسي هي انبعاث المارد من قمقم الصياد ، وقرار المنكسر بتحصيل الانتصار .
نفسي هي تلك اللا الصارخة من اعماق اعماقي : هذه صفقة يوسوس لك بها شيطان الطمع فلا تعمل بمشيئة شيطان الطمع . وتنصاع يدي لإيحاءات نفسي .
نفسي هي ذلك الشعور الناعم الهادئ المدغدغ لرغبة الربح التي لا بد أن يكون قد عرفها وقد احسّها كلّ من يقرأ هذه السطور . هي تلك الوشوشات الصامتة الخفية : الآن ، الآن ، هذه واحدة من الصفقات التي ما ولدت يوما غيرَ ذكر ، وستلداليوم ، توأما من الذكور ( ونحن أقوام لا نزال تفضل ، وللاسف ، وعن غيرحق ، مولودا ذكرا ) وتنصاع يدي الى وشوشات نفسي .

س : هل تقصد أن امتلاك أسرار التحليل التقني غير كاف للنجاح في تحقيق الربح ؟

ج : امتلاك اسرار التحليل التقني هو درجة من درجات المعرفة التي لا تحصى . هي مادة من مواد التعلَم والتخصّص ، يتلقاها طالب الطبّ في سنة من سنوات تحصيله العلميّ . هي مادّة يدرسها وتفيده في كل يوم أثناء ممارسته لعمله بنسبة معينة ودون أن يحسّ بذلك . ولكن في مرحلة من مراحل ممارسته الناجحة ، أراه يصبح ويمسي على قواعد اخرى ، وأسرار اخرى ، هي قواعده هو ، وأسراره هو ، بينما لا تبدو تلك التي درسها في شبابه بجانبها سوى حروف جامدة يابسة ، لا جدوى منها ولا حاجة لها .
تخيّل طبيبا جرّاحا يعمد الى مراجعة درس سبق وان تعلمه قبل سنوات ، ثم يعود لتطبيق الدرس في عمليته الجراحية .
تخيّل لاعب كرة وقف على ارض الملعب وراح يرسم خطة الهجوم على ورقة يحتفظ بها في جيبه قبل ان ينفذها على الارض .
تخيّل سائق سيارة يفتح الكتاب الذي تعلّم به قيادة سيّارته على المقعد المحاذي لمقعد القيادة ويعود اليه في كل عقبة تلاقيه في سيره .
التحليل التقني هو الكتاب الذي عرّف السائق المبادئ الاولية للقيادة ، وأطلعه على قوانين السير ، وأرشده الى المرغوب فعله ، ولكن قيادة السيارة لا يمكن ان يتم تعلّمه بكتاب .
تخيّل سائق السيارة الذي ما فعل امام الخطر الداهم سوى الضغط بقدمه وبكل ما اوتي من قوة على مكبح السيارة . تخيّله وقارنه بسائق آخر زاد على خفة الضغط على المكبح خفة ذهنية اخرى جعلته وبسرعة البرق ينعطف بسيارته يمينا او يسارا لتفادي المصيبة القادمة . أليس حظ الثاني بالنجاة يضاعف حظ الاول .
امتلاك أسرار التحليل التقني ، هو امتلاك أسرار قيادة الدراجة الهوائية عن طريق كتيب صغير يمكن لكلٍ ان يحصل عليه ، هو امتلاك اسرار قيادة الجماهير في كتيب صغير يمكن لكلٍ ان يشتريه . نقل هذه الاسرار الى حيز التطبيق الفعلي هو سرّ كلّ الاسرار ، هوخلاصة كلّ الافكار .
ادرس التحليل التقني بكل تفاصيله ، إحفظ عن ظاهر قلب كلّ حرف من حروفه ، ثمّ ، إن دقّت الساعة - ساعة إقفال صفقة مشؤومة اخطات في فتحها - تاخر لحظة واحدة عن اتخاذ القرار وتنفيذه ، وها انت من الخاسرين .
اعتمد على ما عرفته من قواعد التحليل التقني كلّها ، ما وضع منها حديثا ، وما عرف من قرون ، ثمّ ، لا تتحرر من تلك البلادة القاتلة التي ما لازمت فكرا الا وعطّلته ، ولا رافقت يدا إلا وأغلّتها ، إفعل ذلك وما انت إلا من الفاشلين .
امتلاك اسرار التحليل التقني هو امتلاك قواعد الصرف والنحو لاية لغة من اللغات الحيّة ، فهل امتلاك قواعد اللغة يجعل من الممتلك اديبا أو كاتبا أو شاعرا ؟
امتلاك أسرار التحليل التقني هو امتلاك سر استخراج مئات من الالوان من ألوان ثلاثة فقط . فهل كان مازج الالوان يوما رساما فنانا خلاقا مبدعا ؟
إمتلك أسرار التحليل التقني . أدرسها وتدرب على تطبيقها . لكن ، إيّاك أن تقف عند هذا الحد ، فهو معرفة القليل وعليك بمعرفة الكثير .

الانتخابات الاميركية وتاثيرها على الدولار

16 أبريل 2009

كيف ستؤثر الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة الاميركية على الدولار؟

من الفائز ؟ فلان ؟ فلان ؟ حتى الان لا اشارات واضحة تبين حقيقة ما ستكون عليه نتيجة الانتخابات . ونحن المهتمون بالفوركس نترقب .
والدولار ؟ الدولار هل يسهل معرفة تجاوبه مع فوز هذا المرشح أو ذاك ؟
الامر يبقى في دائرة التقدير . ولكن شيئا من الوضوح في الرؤية يمكن ان نحصل عليه من تدقيقنا في ما كانت عليه ردة فعل سوق العملات في المعارك الانتخابية السابقة . ذلك لكون قانون الحتمية التاريخية قد يصح هنا ايضا ويجعل التاريخ يعيد نفسه .

المرشح الجمهوري ، فلان:
اذا اعتبرنا نجاح الرئيس الحالي فلان فان الدولارسيزداد ضعفا مقابل بقية العملات .
حتى الان ، كان الرئيس فلان ليبراليا من ناحية اقتطاع الضرائب. وبحالة ثبات سوق العمل ، ان ادارة البلاد لا تستطيع ان تفعل شيئا الا المحافظة على سياسة ضعف الدولار الذي بدوره يقوي المنافسة للصناعيين الاميركيين والشركات المختلفة المنابت والتوجهات .
اضافة الى ذلك فان نحن دققنا النظر بتاريخ الرؤساء الجمهوريين ، وسياساتهم الماليةالمختلفة ، نرى بما ان الورقة الخضراء كانت اكثر اخضرارا في فترات ولاياتهم مما كانت عليه في فترات ولاية الرؤساء الديمقراطيين .
ولكن هل يصح تعميم هذه القاعدة ؟
بالطبع لا ..
فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد ان الرئيس الجمهوري رونالد ريجن قد اتبع بعض السياسات الهادفة الى تخفيض قيمة الدولار.
وما طلب الرئيس بوش لاقتطاع الضرائب على المدى الطويل من خطته ، في سنته الترشيحية الا محاولة لاشعال الثقة بالدولارولكن عبر توسيع العجز المالي .
اما كلفة هذا الموضوع على مدى عشر سنوات ستكون بين 1 و 2 مليون ملياردولار. ومع ان الرئيس قد وعد بتحديد العجز المالي بما يقارب نصف المتوقع خلال الخمس سنوات ،فان سؤالا بديهيا يفرض نفسه وهو : هل سيستطيع على المدى الطويل تحقيق هدفه المعلن مع ابقائه على قراره بتخفيض الضرائب .
ومع هذا ان الرؤساء الجمهوريين يفضلون سياسات تخفيض الضرائب على الشركات الاميركية وهذا ما ينمي سوق الاسهم ويدفع بالاقتصاد الى نمو اضافي .

المرشح الديمقراطي _ جون كيري :
يتوقع بان يتجاوب السوق ايجابيا مع سياسة المرشح الديمقراطي جون كاري . ومع ذلك فان المرشحين قد وعدا بتخفيض العجز المالي الى حد النصف.
ولكن خطة كاري تقضي بعكس خطة بوشالذي يرمي الى تخفيض الضرائب . كيري ، ككل ديمقراطي يهدف الى زيادة الضرائب على ارباح الراسمال ذات المدى الطويل من 15% الى 20% ..
ومع ان كاري يحبذ المسؤولية المالية ، فسياسته هذه ستؤدي الى خسارة السياسة النقدية.
ومع سياسة الحماية والزيادة على ارباح الراسمال ذات المدى الطويل نرى بان خطة كاري سلبية للاسهم وايجابية لسندات الخزينة.

لعبة التوقع:

المحللون الاساسيون يتوقعون بان الدولار سيبقى على تراجعه المتواصل ولن يتاثر باي نتيجة من الانتخابات (فوز كاري او بوش)
كلا الحالتين(فوز كاري او فوز بوش) سيساهمان في هبوط الدولار في الحالة الاولى بعد اعلان النتائج .
كما في حالات اصدار البيانات ، عندما يكون السوق في اتجاه واحد ، يكون لدى التجار ما يكفي من الوقت لاختيار حالة البيع او الشراء.. ولكن يتغير السوق كردة فعل للبيانات الصادرة ، كذلك في حالة نتائج الانتخابات الشيئ الوحيد الذي يمكننا تاكيده هو الحماس لمعرفة سعر السوق فيما بعد.

إن شئت أن تعمل جمّالاً عليك أن تعلّي عتبة دارك

16 أبريل 2009

مثل عربي معروف ، فيه ما فيه من العبرة والتفكه . ان ذكره اللبنانيون والسوريون قالوا : البدو يعمل جمّال بدو يعلي عتبة دارو .
خطا الاوروبيون خطوات جبارة في توحيد قارتهم ، وما ان وصلوا الى توحيد العملة حتى اشتدت المخاوف من احتمال الفشل ، وارتفع معيار التحدي ، إذ لا يجوز ل ” مسيو يورو - او - هارر يورو ” أن يكون اقلّ شأنا من ” مستر دولار ” .
قوة العملة هي ، ولا شك ، تعبير وانعكاس لقوة اقتصادية ، واستقرار سياسي ، وبحبوحة داخلية ، وثقة خارجية . عوامل تتضافر كلها لتخلق حالة من الهيبة التي يطمئن لها ااخاطر ويطرب بها الفؤاد .
الاوروبيون ، كلّ الاوروبيين في منطقة اليورو، عامة شعب وسياسييين ، طربوا وانتشَوا ، يوم انطلق اليورو مساويا للدولار ثم ارتفع بعد أيام قليلة ليبلغ ما يزيد على ال 1.1500 دولار. ولم يطل الامر على هذه الحالة حتى عاد الى التراجع واستمر فيه الى أن دقّ ابواب ال 0.7000 سنتا . يومها كانت التنهدات تسمع في منطقة اليورو ، وكان الترقب سيّد الموقف . وكان الخوف من الشماتة كبير .
ولاسباب لسنا الان في وارد تفصيلها بدأ العد العكسي ، وعاد القطار الى المسار بالاتجاه الصحيح ، وها نحن اليوم على ابواب ال 1.3500 . فما ردّة فعل الاوروبيين على ذلك ؟
لا شكّ في أن عامة الناس ينظرون الى الوضع نظرة الافتخار والزهو ، فعملتهم قد تمكنت من التفوق على الدولار وقهره . عملتهم باتت اليوم تاخذ مكانها على المستوى العالمي بسمعة بيضاء نقيّة طاهرة ، هي تطمح ان تحتل المركز الاول عالميا كعملة احتياط . هي على وشك ان تسلب الورقة الخضراء عرشا تربعت عليها الاخيرة عقودا كثيرة . ” منذ ولادته في العام 1999 ، تمكن اليورو من جذب ما يقارب خُمس الاحتياط النقدي العالمي . فهو احتوى جزءا ارتفاع من 13.5% عام 1999 الى ال 19.5% العام 2003 ” . انه خبر مفرح ومبشر . ولكنه ياتي في وقت غير مستحب .
عملة احتياط عالمية ، ثقة فائقة باليورو على مستوى البنوك المركزية الدولية ، الكثيرون منهم يشيحون نظرهم عن الدولار ، يخرجون منه ، يميلون نحن عملة القارة الموحدة ، هي تستهويهم بما لها من بريق عذري لم يمَسّ . الروس ، الصينيون ، الكثير من بنوك الشرق الاوسط ، يعون خطورة الموقف . هم يريدون التحول بجزء من احتياطهم النقدي من الدولار الى اليورو . اجل بين ليلة وضحاها بات اليورو عملة احتياط عالمية .
ولكن ما الذي قد يعنيه هذا للاوروبيين ؟
عامة الناس فخورون . هذا نلمسه بالتحدث معهم . هم لا يقدرون خطورة الموقف . السياسيون قلقون ، يحذرون ، يطالبون البنك المركزي الاوروبي بعمل شيء ما . السيد تريشيه يحاول ، هو يحاول بوسائل عدة ، يحاول اقناع الاميركيين بعمل موحد لمنع هذا التحول المفاجئ في اسواق النقد . الاميركيون يشيرون بوجههم عنه . يقولون لا شأن لنا بذلك . لا مصلحة لنا بان نكون عملة الاحتياط العالمية الوحيدة ، شاركونا بهذا الفخر ، هم يقولونها وعلى الشفاه ابتسامة ساخرة .
يميل السيد تريشه الى الاسيويين ، يريد منهم شراكة فعلية للتدخل في السوق شراء للدولار ، من اجل منع هذا التراجع المتعب للجميع . الآسيويون يفتشون مثله عن دواء ، ولكنهم جربوا الكيّ في الماضي ، أوجعهم الكيّ كثيرا ولم يجدِ نفعا . اليابانيون كلفتهم التدخلات السابقة في السوق ما يقارب المئتي مليارا من الدولارات ، النتيجة كانت خيبة وراء خيبة . في كل مرة كان اليابانيون يتدخلون شارين للدولار ، كان السوق يهلع صعودا بحركة جنونية مرعبة ، ثمّ ، وبكل برودة اعصاب يبرز على الساحة من يعاود بيع ما اشتراه اليابانيون فيعود السعر الى أعماق أكثر آيلاما من السابقة .
ماذا جنى اليابانيون ؟ جنَوا امتلاكهم لمئتي مليار من الدولارات ، اشتروها باسعار يزيد نصفها عن ال 110.10 ، وهم الان يحملونها ، عارفين ان الدولار سيتراجع الى ما دون ال 100.00 ، وعارفين ايضا ان الخسارة التي تكبدوها لا بد من الانتظار طويلا لتعويضها . لذا لا بد من استبعاد امكانية التفاهم بين الاوروبيين واليابانيين على تدخل مبرمج ومدروس في السوق ، فاليابانيون لن يعرضوا انفسهم للدغ من الجحر مرتين .
ماذا بقي امام السيد تريشه ؟
تخفيض الفائدة . هي حلّ من الحلول المطروحة . ولكن هل سيقوى هذا الحل على وقف ارتفاع اليورو ؟
نعتقد انه سيقوى على تبريد الحماوة الحالية ، ولكنه لن يكون الحل الناجع على المدى المتوسط والبعيد . وهو الى ذلك ينطوي على مخاطر كثيرة ان تم الاقدام عليه وسط اجواء غير تضخمية تستدعيه . اذ لا يضمن احد اذذاك عدم الانزلاق شيئا فشيئا الى باحة الركود الاقتصادي ، فالدواء المعطى لم يكن المناسب للداء الموجود .
وباختصار فان التدخل في السوق مستبعد حاليا ، وتخفيض الفائدة على اليورو مستبعد ايضا ، للامرين محاذير كثيرة ، ولا بد من اخذ الامور بالتروي .
اجل ، انه لمن المستحب ان يرى المواطنون عملتهم تتحول الى عملة احتياط عالمي . انه لمدعاة للفخر ان يرى الاوروبيون هدفهم و قد تحقق بسنوات قليلة جدا ، هدفهم المتمثل باعادة شيء من التوازن الى النظام المالي العالمي ، وبانتزاع جزء من العزّ الذي احتفظ به الاميركيون لانفسهم طيلة عقود . انه لمن دواعي السرور ان تتحول العملة الى عملة احتياط دولي وتتدفق اليها الرساميل من كل حدب وصوب ، فتساهم في تمويل العجز ، بل تقف حاجزا دون حدوثه . هذا كان الحلم الاكبر للاوروبيين ، سياسيين واقتصاديين .
وها هي الامنية تتحقق ، الرساميل تتدفق ، فاذا بها تصير عبئا . تدفقت الرساميل في وقت غير مناسب . الدولار يتراجع بقوة ، الرساميل تتدفق على اوروبا ، يساعد هذا على ازدياد تدحرج الدولار . إذن ما كان بالامس أمنية ، صار اليوم عبئا .
والمقلق في الامر ان اليورو يرتفع دون ان يعكس في ارتفاعه وضعا اقتصاديا وسياسيا اوروبيا مطمئنا ، فالنمو الاوروبي لا يشكل الا نصف النسبة الذي يقدر بها النمو الاقتصادي الاميركي .
نعم أراد الاوروبى ان يدخل حلبة النقد الدولية من بابه العريض . فتح له الاميركي اليوم الباب على مصراعيه . دخل ، ويبدو انه يتوه في هذه الارجاء الواسعة . يبدو انه سيستغيث ، الاميركي يتفرج ، ويبتسم . الاسيوي لن يقوَ على الاغاثة .
كان على الاوروبي أن يعرف ، كان عليه أن يقرأ الامثال العربية : “من يريد ان يعمل جمّالاً عليه أن يعلّي عتبة داره ” .

تساؤلات تثير الشك في امكانية تحقيق المعلن عنه من نتائج

16 أبريل 2009

غالبا ما نقف في مثل هذه البرامج الميكانيكية التي يروج لها أصحابها على كونها آلة سحرية كفيلة لوحدها بانتاج ما لا يمكن تصوره من ربح ، غالبا ما نقف في مثلها أمام نتيجة مفصلة تغطي مساحة زمنية تتراوح بين السنة والسنتين ، تمكن البرنامج خلالها من تحقيق ربح لا يقل باية حال عن الاربعة آلاف نقطة في زوج واحد من الازواج المتعددة .
نعم ، في زوج واحد فقط . وأي زوج من الازواج هو ؟
ان كل هذه البرامج تعطينا ربحا قد تحقق على بعض من الازواج الرئيسية الاربعة : اليورو دولار ، او السترليني دولار ، او الدولار فرنك ، او اليورو ين ياباني ، او الدولار ين ياباني . لماذا يا ترى ؟ وأين تكمن المخاطر في مثل هذا الاختيار ؟
انه من البديهي القول ان الازواج الرئيسية المذكورة تعرف تبادلات يومية عالية بحيث يجعلها مؤهلة اكثر من غيرها لتامين تحركات بالغة الاهمية تكفل تحقيق ربح محترم ان أصاب المتعامل أو البرنامج الميكانيكي في اختيار اللحظة المناسبة لفتح صفقته . ومن البديهي القول بان الفارق بين العرض والطلب على هذه الازواج يكون منخفضا قياسا على الازواج الاخرى مما يشكل عنصرا ايجابيا يصب في مصلحة المتعامل وزيادة نسبة ربحه . كل هذا يعتبر صحيحا ، ولكن أسئلة محددة تبقى مشروعة ، وتبقى الاجابة عليها وحدها كفيلة بازالة التشكك ، أو إثبات أحقية المخاطر المحدقة بالامل المنشود في صورة تحقيق ربح على المدى الطويل اتكالا على هذه البرامج .
السؤال الاول المطروح هو : لماذا اختار مبرمج هذا البرنامج اليورو دولار والدولار فرنك لتطبيق برنامجه عليه ؟
لا يخفى على اي لبيب تابع العمل في هذا السوق ، بان هذين الزوجين متلازمين في حركتيهما تلازما عكسيا شديدا يبلغ أحيانا حد التطابق . فان نحن اخذنا الرسم البياني للزوج الاول وقلبناه راسا على عقب ، وقارنناه برسم الزوج الاخر ، لوجدنا ان الخلاف بينهما يكاد يكون معدوما الى حد كبير .
ماذا يمكن لهذا الامر ان يعني ؟
بكل بساطة سيعني هذا الامر تقاربا شديدا بالنتيجة المحققة على الزوجين ، تقاربا يسمح بالتقدير بان شراء عقدين اثنين على زوج واحد منهما يمكن أن يحقق نفس النتيجة التي تحققت من خلال شراء عقد واحد على كل منهما .
وبكل بساطة ايضا سيعني هذا الامر ان اختلالا معينا في فترة زمنية ما ، ولسبب مجهول ما ، على نتيجة زوج من هذين الزوجين سيكون مرشحا ايضا للظهور على نتيجة الزوج الاخر وستكون الخسارة مزدوجة ايضا .
السؤال الثاني المطروح هو : لماذا لم يقدم مبرمج البرنامج المذكور لنا النتيجة التي حققها برنامجه على بقية العملات المتداولة في السوق ؟ وهل ان تطبيق البرنامج المذكور عليها كفيل بان يحقق نتيجة ايجابية ايضا ؟
هنا ايضا لا يمكن أن يخفى على اي لبيب بان حركة زوج مثل اليورو فرنك سويسري ، او اليورو جنيه سترليني ، او الدولار استرالي دولار اميركي ، تختلف اختلافا كليا عن حركة العملات المختارة لتطبيق البرنامج عليها واعلان نتائجه . حتى الدولار ين ياباني يعتبر ذا خاصية محددة في الحركة ، أكاد أقول انه يحتاج الى برنامج خاص به ليتمكن من تحقيق الربح المنشود ، رغم كونه واحدا من العملات الرئيسية التي تتمتع بسيولة عالية في التعامل تؤهله لان يصنف بين العملات الرئيسية المثلى .
ولعل هذا الاختلاف في الحركة هذه ، وفي نسبة الترند المحقق ، تنعكس ولا شك على النتيجة المحققة من قبل البرنامج ربحا أو خسارة ، ولعل هذا الاختلاف هو السبب الكامن وراء اختيار عملات محددة وصرف النظر عن عملات اخرى ، كون الاولى تحقق ربحا بينما لا تحقق الاخرى سوى خسارة .
وهنا قد يقول قائل : وما همنا في ذلك ؟ ان كان البرنامج قد حقق ربحا على زوج محدد ، فعلام لا نطبقه على هذا الزوج ونجني الربح الطائل منه ؟
رويدك اخي ! لا يغرّنّك الاندفاع ، تمهل قليلا ، لا تهمل التدقيق في الامر .
اذا كان البرنامج المذكور قد حقق الربح الوفير على زوج اليورو مقابل الدولار ، ولم يحقق الا الخسارة على زوج الدولار مقابل الين مثلا ، فهل يمكن لمخلوق أن يضمن استمرار اليورو دولار على نفس الوتيرة حركة ونبضا وسرعة وتقلبا ؟
هل يمكن لمخلوق أن يضمن رسما بيانيا لهذا الزوج شبيها لرسمه في السنتين الماضيتين ؟
هل يمكن لنا الحصول على نفس النتيجة على رسم بياني قد يتراوح خلال السنتين القادمتين بين سعرين هما 1.3500 وال 1.2500 مثلا ، كما حصلنا على نتيجة لرسم بياني ارتفع في السنتين الماضيتين من ال 0.8000 الى ال 1.3500 ؟
هل يمكن لاي مبرمج ان يضمن بان لا يتحول اليورو دولار مستقبلا الى حركة شبيهة بما هو عليه اليوم اليورو فرنك مثلا ، او اليورو دولار استرالي مثلا ؟
وقد يقول قائل : ان حصل هذا التحول ننتقل ببرنامجنا الى عملة أخرى .
رويدك اخي ! لا يغرّنّك الاندفاع ، تمهل قليلا ، لا تهمل التدقيق في الامر .
كيف سيمكنك تحديد الوقت الذي سياتي به هذا التحول ؟ من هي الجهة التي ستنبئك به ؟ هل من برنامج ميكانيكي آخر يمكنه ايضا القيام بهذه المهمة ؟
ان حصل هذا التحول ستكون انت ضحيته الكبرى . في بدايته ستظن أن المرحلة هي مرحلة خسارة مؤقتة لا بد ان تتلوها محطات ربح تعوض فيها ما خسرته ، وستتلو مرحلة الخسارة الاولى مراحل اخرى ، وستزداد الخسارة ، وستزداد معها الحيرة والارتباك ، ولن تجد نفسك الا وقد وقعت في فخ زمن عاد السوق ليسرق منك فيه ما قدمه لك في زمن آخر . ولن تستطيع الا ضرب كف بكف ، والعياذ بالله من الشيطان الرجيم .
وقد يقول قائل : يكفيني ان احقق ربح مرحلة قادمة لفترة سنة او سنتين ثم أحجم عن التعامل حفاظا على ما حققته .
رويدك اخي ! لا يغرّنّك الاندفاع ، تمهل قليلا ، لا تهمل التدقيق في الامر .
ومن هي الجهة التي ستضمن لك ان المرحلة السوداء لن تبدأ الان ؟ أو انها قد بدأت لتوها مع بداية هذا الشهر ، أو هذا الاسبوع ، أو هذا اليوم ؟ وان صح هذا فانت لن تحقق ربحا ولكنك ستبدأ مباشرة بالخسارة . وان طالت مرحلة الخسارة فلن يكون للداء من دواء .
أخي المتعامل !
ان العامل الذي قد يخفف من هذه المخاطر ، يكمن في اطلاعك على ما حققه البرنامج الميكانيكي من نتائج على كل ازواج العملات المتداولة في السوق ، وليس على أزواج معينة ، ولفترة لا تقل عن سنوات ثلاث . فان كان قد حقق نتيجة جيدة عليها كلها ، وفي نفس الفترة الزمنية ، فان نسبة التخوف من مطبات قادمة وفخوخ مجهولة تخف ولا شك ، ويكون بالامكان في هذه الحالة الاقدام على هذا العمل بثقة نسبية ، تجعل أحقية الامل راجحة على كفة الخوف والتشكك .
أخي المتعامل !
ان كنت قد عقدت العزم على البدء بالتعامل معتمدا على برنامج من هذه البرامج المطروحة في التداول ، ان كنت قد بلغت هذه المرحلة واتخذت هذا القرار ، فانا لا اسعى لادخال الشك الى نفسك بنسف كل القناعات التي تكونت عندك ، أو إذابة كل الآمال التي بنيتها في نفسك من خلال اتخاذك لهذا القرار . انا أرمي فقط الى التنوير القائم على معطيات موضوعية واحتمالات منطقية ، والتنبيه الى أحداث مستجدة قد تطرأ في الفترة التي تتعامل انت بها بواسطة هذا البرنامج فتقع انت ضحية مفترضة مع من يقع من المتعاملين . وقد لا تطرأ هذه الاحداث ، فتنجو انت منها مع الناجين ، وتحقق قسما او كلا من الربح الذي أمّلت النفس بها .
أخي المتعامل !
ان نجوت من الفخوخ التي تم شرحها ، وصار الى التنوير عليها في القسم الاول من هذا البحث ، وان نجوت من الفخوخ التي شرحنا أبعادها وفصلنا احتمالات وقوعها في هذا القسم ، وان نجوت من الفخوخ التي سيتم شرحها وتبيان مخاطرها ايضا في القسم القادم ؛ ان حصل كل ذلك ، فأنت ستبلغ مرادك ، ولا شك ، وستحقق الربح المنشود ، أو شيئا منه .
نعم ان ذلك لحاصل .
ولكن !
بعد اجتياز الكثير من الحواجز ، وتذليل الكثير من العقبات .
واعلم أنّ لعامل الحظ القسط الوافر في رؤيتك المنارة وبلوغك الميناء .
أخي المتعامل !
نحن نحقق ارباحنا في هذا السوق . نحن ، أنت وأنا نستطيع ذلك . ومن أراد استطاع .
لنعمل على تهذيب طباعنا ، وتدريب أنفسنا ، وترويض انفعالاتنا ، والتحكم بقراراتنا . لنعمل على خلق شخصية التاجر المؤهل على الصمود في الساحة هذه . لنسعى الى برمجة شخصيتنا وفكرنا وأعصابنا برمجة موضوعية علمية هادفة .
لنفعل كل ذلك ، فننجح .
ننجح في ابتكار أفضل برنامج تداول .
هذا البرنامج سيكون اسمه : أنت وأنا .

ج - وفي البحث القادم تساؤلات اخرى مشروعة ، قد تلقي المزيد من الضوء على الموضوع المطروح .

أدب الرفق بالاعصاب

16 أبريل 2009

مقالتي اليوم هي وليدة صدفة نتجت عنها زحطة لسان في حديث جمعني مع عزيز .
قلت : عليك ان تمتلك وأن تتشبث بفنٍ ، إسمه فن التعامل مع الأعصاب ، فتحافظَ بذلك على كلّ فلس تحققه في تجارة البورصة وتزيد عليه .
ما ظننت أن كلمتي ستفعل في نفسه ما فعلت ، ولا ستقع منها حيثما وقعت ، إذ طالعني في اليوم التالي بقول حرّك في نفسي رغبة بالكتابة .
قال : كلمتك بالإمس أنبتت فيّ بذرة كانت لا تزال غافية ، وهي تتنامى ، وأنا أتنعم بفيئها .
طربت لما سمعت من العزيز ، كعادتي عندما أسمع من عزيز قولا يوحي بانه نجح ، بطريقة ما ، في زيادة لبنة ولو واحدة على ما يبني .
أدركت أهمية الكلمة ، واستشعرت إهمالا مني بعدم تفصيلها حتى اليوم . غفرت لنفسي الإهمال وسمّيته تأخيرا ، لكوني كنت قد نويت كتابة سلسلة مقالات عنوانها ” أدب البورصة ” ، وكان هذا المقال ليحتلّ مكانه في السلسلة المذكورة دونما شك . وها أنا ، ولأن الحادثة حرّكت فيّ رغبة بالتقاط قلمي ، والبحث عن ورقة ، أراني قد بدأت بالحديث عن واحد من فصول ” أدب البورصة ” قبل أوانه ، إيفاء بوعدي ، وإرضاء لأنانية الرغبة في الكتابة ، وإفادة لمن يهمه هذا الامر .
وعدت العزيز بكتابة مقال أعنونه ” فن التعامل مع الاعصاب ” ، وها أنا أشعر برغبة في تعديل العنوان ليكون ” أدب الرفق بالأعصاب ” ، ظناً مني بأهليته في نقل أبعاد وأعماق ، وفي غرس بذور لأحاسيس ونبضات ، ما كان ليستطيعَها العنوان الأول .
هدفي كان ، وسيبقى ، شيئا من التنوير في درب مَن هدف الى اتخاذ العمل بالبورصة مهنة له . وما انحرافي الآن الى بعض اللقطات المعبّرة المقتبَسة من المسرحية السياسية التي يجري تمثيلها حاليا على المسرح السياسي اللبناني ، إلا رغبة في إلقاء الضوء على كيفية تحاشي الأخطاء ، توفيرا لتحمّل عبئا لا بد أن تورثنا اياه .
اقتبس لقطات من المسرحية السياسية لشدة قربها من حياتنا ، نحن العرب . نحن سياسيون بالفطرة . كلنا سياسيون . نهتم بالسياسة ونعمل بها ونتلهّف لها ، بطريقة تختلف كليا عن عمل وتلهف أهل الغرب ، هي خبز يومي لنا .
نحن كلنا سياسيون ، فإلى إيضاحاتنا التي لا أرمي منها إلى انتقاد ، ولا إلى نصرة فئة على أخرى ، من الفئتين المتصارعتين على مسرح الساحة اللبنانية الحالية ، مع تقديري ومحبتي لهم جميعا ، ومع إعجابي وذهولي بهم جميعا ، لما يتمتعون به من لياقة ، في الأبدان بتحويلهم المسرح الى حلبة ، وفي الأذواق بامتلاكهم كلّ آداب السياسة وفنون الحكم الراقي والمعارضة الخلاقة .
اقتباسي لمشاهد من المسرحية اللبنانية هذه ، ليست انتقاصا من المسرحيات الأخرى التي يقوم بها ممثلون آخرون في أمكنة أخرى من عالمنا العربي . أرجو التكرم بالنظر اليها من زاوية الأهمية البالغة لما يجري اليوم على المسرح اللبناني ، واختصاره المعبّر لما يجري على المسرح العربي عامة . افتباسي هذا له علاقة ايضا بقناعة كون لبنان في قلب كل مواطن عربي ووجدانه .
أطلنا ، ولنعد الى صلب ما نحن فيه . ألأعصاب وفن التعامل معها ، مسجلين الآتي :
في السجال الدائر منذ فترة حول الأكثرية والأقلية في تكوين نسيج المجتمع اللبناني ، أسجل دعوة أحد الاقطاب الفاعلين في السياسة اللبنانية الى إجراء استفتاء عام حول القضايا المختلف عليها . أسجل أن هذه الدعوة بحد ذاتها كانت إنفعالية الى حدّ ما لكونها غير متناسبة مع الواقع اللبناني الطوائفي .
في رد على الدعوة المذكورة ، إنبرى إبن أحد الاقطاب المعارضين الكبار ، وهو ورث السياسة عن جدّه ، وسار على خطاه ، ويتدرب حاليا على يد أبيه . إنبرى ليقول : “الكلمة ليست للأكثرية الكميّة ، بل للأكثرية النوعيّة “.
الكلمة هذه خير مثال على عدم إتقان الرجل فنّ التعامل مع الأعصاب واللطف بها ، ممّا أثار في وجهه عواصف من الردود والإتهامات ، إضطرته أخيرا الى محاولة التوضيح لما قصد من كلامه ، دون أن ينجح في ذلك . الكل فهم أن مقاصده هي نفسها ما كان جده يعمل بموجبه ، ويُختصر بالقول أن المسحيين متفوقون على المسلمين في لبنان بامتلاكهم الثقافة الغربية ، رغم تفوق المسلمين بعددهم حاليا . صاحبنا لم يسمع بعد بحقيقة التحولات الأخيرة والتي جعلت من المسلمين في العقود الثلاثة الماضية ، قوّة ثقافية وعلميّة شمولية لا تقلّ عن قوّة المسيحيين الفاعلة . يبدو انه لم يستطع التخلص من المعادلة التي كانت سائدة في السبعينات والتي سمعها من جدّه في طفولته ، وهو في لحظة فلتان لغرائز معينة ، وفي ظل غياب ” فن الرفق بالاعصاب وأدب التعامل معها ” ، أوقع نفسه في مأزق كبير وخسارة كبرى ، أظن أنها ستلازمه تعييرا طيلة حياته السياسية . هذه الحالة من الفلتان لغرائز معينة ولغياب لحالة ” الرفق بالاعصاب وفن التعامل معها ” ، هي ذاتها التي توقع التاجر في البورصة في مآزق تسبب له الكثير من الإحراج والأسف والندم . وما كان كلامنا عن السياسة ، إلا توسلا للوصول الى النتيجة التي تهمنا في تجارتنا .

رئيس حكومة لبنان الحالي عمر كرامي ، وبعد اشتداد الضغوط عليه من طرف المعارضة ، بان عليه التوتر والإنفعال ، قال في تصريح مقتضب : ” باليومين القادمين منفرجيهم ” يقصد المعارضة . الصحف تندرت كلها على دولة الرئيس - الديمقراطية وحريّة الرأي في لبنان تسمحان بذلك - الكلّ انتظر نهاية اليومين ، دولة الرئيس نسي تهديده عندما هدأت أعصابه . الرأي العام لا يرحم . لم ينس تصريح دولة الرئيس . الصحف تذكره به بين الحين والحين ، هي تعرف انه لن يجيب ، هو يعرف انها لا تريد جوابا . المسرحية تجري ، نحن في الصالة نضحك ، إضحكوا معنا . ما يهمني من الأمر هو أن دولة الرئيس في لحظة مهمة من لحظات حياته السياسية ، غابت عنه لفتة الى فصل أساسي من فصول قاموس آداب السياسة ، ما كانت لتغيب عن أخيه الرشيد رحمة الله عليه . هذا الفصل له عنوان متكرّر : ” أدب الرفق بالأعصاب ” . صفقة رئيس حكومة لبنان كانت خاسرة .

وزير الداخلية وفي مواقف عديدة ، خرج عن المألوف في الحديث ، ووصل الى حد الشتم بكلام غير لائق . ألكل أجمع على كون معاليه متوتر الاعصاب ، والبعض استرسل في نصحه بوصفات طبية شعبية مختلفة . رئيس طائفته أنبه ناعما . معاليه افتقد في تلك اللحظات ” فن التعامل مع الأعصاب ” . أخطأ وكان خطأه كبيرا . هذا أمر سيعيره به الكثيرون ، وسيستغله أخصامه ، إن هو ترشح آجلا أو عاجلا الى رئاسة الجمهورية . صفقته كانت خاسرة .

زعيم معارض كبير في معرض اندفاعه اتهم حزبا ذا نفوذ مميز بقتل والده قبل ثماني وعشرين سنة ، دون أن يملك برهانا على ذلك . ألأمر ورّطه بدعاوى قضائية أقامتها عليه الجهة المُتهَمَة . الزعيم المشهود له بالحنكة أخلّ في عمله هذا بقانون أساسي يقضي بالتناغم الدائم مع ميزان الاعصاب الشديد الحساسية . صفقته كانت خاسرة .

كفانا انتقادا ، وللقوم حسناتهم أيضا ، هيا بنا اليها .

في قراءتي اليوم لاخبار أمس السبت الموافق ل 12 فبراير 2005 ، لحظت موقفا إيجابيا يستحق رئيس الحكومة التهنئة عليه .
الخبر التالي قرأته في إحدى الصحف : ” السلطة أقدمت أمس على احتجاز أربعة ناشطين من جمعيات خيرية في العاصمة من الصباح لتفرج عنهم في التاسعة ليلاً، بححة التحقيق معهم في قضية إقدام “جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية” على توزيع صفائح من الزيت على العائلات المحتاجة”.
والمجهود القضائي الذي تبذله النيابة العامة التمييزية وقسم المباحث الجنائية المركزية على هذه القضية لم يتوقف عند هذا الحد، بل تمّ استدعاء الناشطين الأربعة الى التحقيق مجدداً، غداً الاثنين.” انتهى الخبر .
التوقيف كان بتهمة رشوة الناس لاغراض انتخابية . اي اطعام الناس زيتا ليصوتوا في الانتخابات النيابية القادمة التي ستجري بعد شهرين مع الجهة التي تطعمهم اليوم وهي جمعية خيرية تابعة لمؤسسات الرئيس رفيق الحريري .
ليس هذا ما يهمني بالخبر وهو لا علاقة له ببحثنا .
المهم أن القضية تطورت ، نواب جبهة الرئيس الحريري قصدوا قصر العدل لمقابلة المحتجزين . تمّ منعهم من ذلك . مما دفع بمفتي الجمهورية اللبنانية للاتصال برئيس الحكومة تعبيرا عن رفضه لمنع ايصال الزكاة الى مستحقيها تحت أي ذريعة .
سماحة المفتي اتصل مرة ومثنى وثلاث ورُباع وخُماس ، ورئيس الحكومة لا يجيب . في المرة السادسة وُفق في ذلك . حصل على وعد بالتدخل وإجراء اللازم .
أيضا ليس هذا ما يعنيني في الأمر . ما يعنيني أنا فيه هو أن الرئيس كرامي قد نجح هذه المرة بامتلاك ” فنّ التعامل مع الاعصاب ” فأعطى نفسه المهلة الكافية بتأخير المحادثة وتاجيلها والمماطلة بها ، ريثما تكوّنت لديه القدرة النفسيّة الإيجابية ، وريثما تجمّع عنده المخزون الفكري اللازم ، لمواجهة صاحب السماحة بما يمليه عليه الأمر من توازن في الحديث ورصانة في التعبير ، فوفّر على نفسه ردّة فعل متسرعة من نوع : ” منفرجيهم باليومين القادمين ” . رئيس الحكومة أجرى بتصرفه هذا صفقة رابحة .
مع تسجيلي للرئيس عمر كرامي حكمته وحسن امتلاكه هذه المرة - وبايحاء من روحية أخيه المرحوم رشيد - ل ” أدب الرفق بالأعصاب ، وفن التعامل معها ” ، أدعو أعزائي المتعاملين في تجارة البورصة الى التشبه به ، بتأجيل الهواتف التي تأتي في أوقات غير مناسبة داعية بفتح صفقة معينة ، إن سيطر على المتعامل جوّ من انعدام الشفافية ، وكثافة الضبابية في الرؤية ، وبالأخص ان كان الهاتف الداخلي ملحاحا على القول : ” ماذا تنتظر يا هذا ، إشترِ ! ها قد بلغ النهار نصفه ، وأنت لم تعقد صفقة واحدة الى الآن . ”
وطالما إني قد سجلت لرئيس حكومة لبنان الحالي هذه الحكمة ، وأقريت له بهذا الأدب السياسي الملتزم ، فلا بدّ من الإتيان على ذكر ما طالما أُعجبت به من مواقف للرئيس السابق لحكومة لبنان . مواقف توحي بأن الرجل يمتلك أدب الرفق بالأعصاب وفنّ التعامل معها بامتياز .
لقد حاولت أن أسجل عليه موقفا أو زلة تساويه هو بغيره ، وتجعلني انا بعيدا عن الانحياز في بحث موضوعي ، فما استطعت . ما وجدت هذه الزلات على الأقل في المسرحية السياسية التي تدور رحاها الآن على المسرح اللبناني ، والتي بدأت بفصل تعديل الدستور في سبتمبر الماضي .
فن الرفق بالأعصاب الذي يمتلكه رفيق الحريري قد يكون عنصرا مهما وأساسيا من عناصر نجاحه الفائق سياسيا وماليا واقتصاديا . وهو الراوي عن نفسه : ” كانت أمي تجري لنا - أنا وأخوتي - حمامنا الأسبوعي في اللكن المعدني ، وفي نفس الغرفة التي نجلس وننام فيها . وفي صباي عملت صانع دكان يبيع الحلوى ، وهو ما زال موجودا الى الآن ويثير فيّ ذكريات طيبة “. ”
أنا على ثقة بأن امتلاك الرجل أدب الرفق بالأعصاب كان ولا يزال من أهم العوامل التي حققت له هذه النقلة النوعية على جميع المستويات .
أخي المتعامل ، لقد أطلت في أمثلة أرجو أن تكون على شيء من التعبير الكافي لتجعلك مستعدا لتفادي مخاطر الاستخفاف بما يجب ان أن يُجَلّ في مهنتنا هذه . وعدي أن نُتبع بحث اليوم بآخر يوسع ما يعنينا نحن في السوق من هذا الموضوع . رجائي من الله أن يفتح ما قد يكون موصدا في وجهك من أبواب تقود الى المزيد من النجاح . ولا نجاح بدون معرفة .

أدب الجلوس إلى الخوان ، أو فنّ اللا ” يوفوريا “

16 أبريل 2009

أدبُ تناول الطعام . أدبُ ترتيب المائدة والجلوس اليها . أدبُ الدخول في السوق . أدبُ الاشتراك في واحدة من أرقى التجارات .
أوجهُ الشبه عديدة ، ألمقاربة بين الحالتين قد تبسط الامور وتجعلها أكثر جلاء ووضوحا ، نظرا لاشتراك العوام من الناس في الوجه الأول ، وتوقِ البعض من نُخبهم إلى امتلاك فنون الوجه الثاني .

كنت منذ فترة غير وجيزة قد عقدت العزمَ على كتابة هذا الفصل والعمل على مقاربة فن دخول السوق من أدب الجلوس الى المائدة . وكأن الصدفة شاءت أن تضع قبالة نظري مشهدا تلفزيونيا يؤدي فيه واحدٌ من كبار نجوم السينما المصرية دور واحد من الباشوات الأكولين أمام مائدة امتدت عليها أطباقٌ حوت كل ما لذ وطاب .
كان الباشا يوشك أن يباشرَ بتناول الطعام ، وكانت عيناه قد جحظتا ، أو كادتا . كان ينظرُ إلى الفراخ المحمرة وقد تملكت وعيَه شهوةٌ جارفة ، وأخذت من جوارحه لذةٌ جامحة ، بحيث إن كل ملمح من ملامح وجهه عكس خشيته العارمة من أن ينبتَ الريش في هذه الفراخ المشوية ، وتعودَ لها الحياة ، ، فتهبّ من الطبق مصفقة بجناحيها ، ناجية بنفسها ، مفوتة عليه ما كان قد منى النفسَ به من شعور بالتلذذ والتنعم والشبع .

إستوقفني المشهدُ - وقد برع الممثل في تأديته خير براعة - فخفت ألا تتركَ عينا الرجل من الأطباق لفمِهِ نصيبا . قررت أن أتابع ما تبقى فكان العجبُ .

يدان تحملان ما قُدر لهما أن تحملاه ، ثم تعملان على إفراغ حمولتيهما في فم يصعب عليه استيعاب ما أُلقي فيه ، فاذا به يمضغ مقدارا ويبتلع مقدارا ، وهو بين المضغة والمضغة يرمي بقية الأطباق بنظرات تفضحُ كل ما يجول في نفسه من بقية لاحاسيس شهوانية فارغة من كل ما هو غير الطمع والشراهة والنهم والفجع .
أطلت عليك صديقي القارئ في أمر قد تراه غير ذي علاقة بما يفيدنا هنا في موضوعنا ، وأراه غير بعيد عما يشغَل بالك ويشغل بالي على وجه سواء . أطلتُ عليك ولكني لأصدقك القول أني ما فعلت إلا لكون أهمية هذا المشهد بالنسبة لي ليست قائمة بذاتها ، ولكنها كائنة بما يمثل من إقبال مفرط على الشيء ، وشراهة متطرفة في امتلاكه ، ونهم طريف في التهامه ، حتى ولو قارب ذلك حد الضرر ، وانعكاس النتيجة المرجوة توعكا أو مرضا أو علة أو خسارة أو دمارا . إن أهمية هذه المقاربة تكمن أيضا في ما يمثل الأمرُ من مشابهة حية ظريفة كوميدية ، لحالة من حالات التصرف المحظورة في إدارة شؤون المحافظ التجارية في سوق المال الذي نحن من صلبه وهو هدفنا ومنانا .

ثق صديقي القارئ ، وأنا ما توجهت اليك إلا وقد صدقتك القول ، ثق إن آداب تجارتنا لا تقل أهمية عن آداب حياتنا في مختلف وجوهها . فكما أن هذه كفيلة بتمييز عضو إجتماعي عن أعضاء آخرين ، ورفعه الى درجة تفوقهم قيمة وعزة ، وقدرة على التاثير ، إن هو ألم بكل تفاصيل هذه الآداب ، وعمل على احترام كل دقائقها ، وتطبيق كل أوامرها ، وتحاشي كل نواهيها ؛ فكذلك إن آداب السوق كفيلة أيضا ، إن هي أُوليت ما تستحق من الاهتمام والإحترام ، كفيلة بتمييزه عن غيره من جمهرة المتعاملين العاديين ، المتعثرين في خطوات طمعهم ، المتدثرين بعباءات فشلهم .

وكما للجلوس الى الخوان آداب كفيلة برفع الجالس الى مصاف المختارين من الحضر ، أو بخفضه الى درك الهمج المتخلفين عن امتلاك أصولَ اللياقة والذوق السليم ؛ فإن للدخول في السوق آدابا كفيلة برفع الداخل الى مصاف الفالحين الناجحين الواصلين ، أو بخفضه الى مصاف الفاشلين الخائبين اليائسين .
وكما أن عينَ الآكل لا يجوز لها أن تلتهم الطعام قبل فمه . وكما ان تناولَ الطعام ومضغَ الادام يختلف عن الافتراس والإلتهام . فكذلك لا يجوز لعين المتعامل أن تقبل على السوق ملتهمة كل ما فيه ، مهللة للربح قبل حصوله ، محولة الأمنية حقيقة قبل تحققها ، بانية الأمجاد قبل الشروع فيها ، محتلة مكانا مخصصا لغيرها ، عارفة بكل شيء الا بذاتها ، سليمة من كل آفة إلا من أشدها خطرا : عنيت ال ” يوفوريا ” .

وكما أن يدَ الآكل يجب أن تكونَ رفيقة بمعدته رحيمة لها ، تحملها ما بوسعها ، وتوفر عليها عبء الضار من الاحمال ، فلا تدفع الى جوفها ما لا تتسع اليه ، وما ليس للجسم حاجة به ؛ فكذلك ترى المتعاملَ الحضاريَ مضطرا لأن يقيس بمقياس العقل ما يمكن أن يكون هو محتاجا اليه ، قادرا عليه ، وان يزين بميزان الحكمة ذلك الحد الفاصل بين ما يكفيه ، وبين ما تتسبب به قرارات جشعه ونبؤات طمعه ، من أحمال ،لا وسع لأعصابه ولا حيلة لحسابه على تحمل تبعاتها . إن على كل داخل في هذا السوق أن يُحسن التفريق بين ما هو له ، وما هو لسواه ؛ بين ما يمكن أن يكون له مفيدا ، وما يمكن أن يكون به ضارا ؛ بين حِمل يمكنه القيام به والسير فيه بتؤدة الى الهدف ، وحملٍ يتحول عبئا عليه ، فيَحُول بينه وبين ما خطط له . إن على كل داخل الى هذا العالم التجاري الفائق الأهمية أن يحسنَ تحاشي ال ” يوفوريا ” وكل ما تستتبعه من كوارث ، وأن يتمكن من فن اللا ” يوفوريا ” فيستوعبه كلية، ويجعل منه بندا أساسيا من بنود دستوره ، وقانونا رئيسيا في شرائع سياسته .

وكما أن آداب الجلوس الى المائدة تحتم على الآكل أن يأكل بموجب الحكمة الذهبية القائلة ” علي أن آكل لأعيش لا أن أعيش لآكل ” ؛ فإن آداب الدخول الى السوق ، وفن اللا ” يوفوريا ” يحتمان على كل متعامل أن يعمل بهدي مقولة مماثلة ، أراها من الأهمية بحيث انها تستحق أن تكتب بغير حبر ، وعلى غير ورق ، وأن تعلق حيث لا يغيب نظر . عنيت : ” إن قانون اللا يوفوريا يحتم علي أن أتاجر لأعيش ، لا أن أعيش لأتاجر ” . والفارق شاسع بين الحالتين ، ولا أظنه يغيب عن كل لبيب . ومَن غير اللبيب من الإشارة يفهم .

وكما أن آداب المائدة تفرض على الآكل ، أو المشارك في الطعام ، إن هو اخطأ في المضغ لتعجلٍ أو ارتباكٍ ، فعض طرف لسانه ، ألا يثور ويغضب ، فيقلب الطاولة على الجالسين بمعيته ، أو يعكر صفو الجلسة بولولة وشتم وتهديد . فإن فن اللا ” يوفوريا ” تفرض على المتعامل ألا يغذي مشاعر الحقد على السوق إن هو اُصيب بخسارة ، أو وقع في مأزق ، وأن لا يسعى بأية حال الى الإنتقام منه في محاولة يائسة تهدف الى استرداد ما يعتبره حقا سليبا . وإن هو انزلق الى هذا الدرك فانما يعرض نفسه الى هزيمة نكراء مزدوجة ، والى خسارة شوهاء مضاعفة لن تكون له من السهل القيامة منها ، لان معاداة السوق لا تورث الى الخسارة ، ولان المندفع وراء إرادة الانتقام والثأر فإنما هو قد حكم على عقله بالتجمد ، وعلى أعصابه بالشلل ، وعلى إرادته بالتوقف ، وعلى مصيره بالفشل .

وكما أن آداب المائدة تفرض على الآكل ، أو المشارك في الطعام ، أن لا يجلسَ على المائدة إلا بعد أن يكونَ قد اهتم بنظافة يديه وفمه وكل ما يدخل اليه من غذاء ، حرصا على سلامة جسمه ومكونات بدنه ؛ فإن آداب دخول السوق تفرض على المتعامل أن لا يقاربَ جهاز عمله وأن لا يباشرَ نشاطه - حتى ولو كان يمارس عمله من جهاز في غرفة نومه - إلا إن هو عمد الى ايفاء جسده حقه ، وإن هو لبس رداء العمل النظيف ، نظرا الى كون النظافة الخارجية تعطي صاحبها شعورا خفيا بالنظافة الداخلية ، و لما في ذلك من إضفاء لحيوية وإدخال لفرح وإفاضة لبهجة على النفس والروح ، ومن تيقظ للعقل ومن توقد للفكر ومن تحفيز لشدة الانتباه ودقة الملاحظة وقدرة المقارنة وصوابية الحكم ، من خلال ما يوفر للاعضاء من راحة ومناخ .

وكما ان آداب الاكل أن لا يُدخل الآكلُ طعاما على طعام فلا يأكلُ إلا عند إحساسه بالجوع ، ولا يشربُ إلا عند إحساسه بالعطش ، كي لا يُفسدَ نظام جسده ، السائر وفق وتيرة تأليف مبدع في سمفونية موسيقية تنسجم فيها كل اعضاء الجسد مؤدية لوظائف محددة . فإن آداب الدخول في السوق تقضي كذلك عدم الأفراط في الهجوم على السوق ، بصفقات قد تصيب المتعامل بتخمة ترهق اعصابه ، وتتعب فكره ، فيضل في غياهب لا يجد لنفسه منها نجاة . ومن هنا فالوصية هي إعطاء النفس فترة من الراحة بعد كل صفقة سواء كانت صفقة ربح أو خسارة ، لتهدأ الأعصاب وتستقيم دورة الدم ويصير الفكر مهيئا لمعاودة التخطيط والتحليل . هذا هو النظام الطبيعي السليم ، وكل ما سواه إنما يصنف ضمن قانون ال ” يوفوريا ” البغيض .

وإذا كانت النباتات والأزهار ، بما تفوح به من روائح زكية ومناظر مريحة ، تُدخل على المائدة جوا مؤنسا لطيفا يساعد النفس على الانشراح ، ويساهم في تسهيل عملية الافادة مما يتناوله الجسم من طعام كثيف بتمرير جزيئياته الى ألطف اللطيف من الاعضاء ؛ كما أن ذلك صحيحا ، فإن تزيين مكان العمل بلوحات فنية مشرقة ، وتخصيصه بزهيرات وردية وأخرى سماوية أو بيضاء نقية ، يُدخل الفرحَ الى النفس ، والمرحَ الى الطباع ، فيتم التغلب على آفة ال ” يوفوريا ” ويحضر روح الخير مرفرفا على المكان ساكنا فيه . ولا يخفى ما لروح الخير من أثر في جعل البركة تحل والنعمة تُطل ، فتفتح أبوابُ الرزق ، وتُشرع نوافذُ الخير .

ولا يستهينن أحدٌ بما تقدم ، فإن مداواة العلة غالبا ما تكون بلمسة تحمل الشفاء ، أو بهمسة تطرد البلاء ، أو ببسمة تستدرج قبسا من النور المحيي . ومَن غيرُ النور المحيي قاهرٌ لظلمات النفس التائهة ، وملقنٌ لفنٍ اسمُهُ : فن ال ” لا ي و ف و ر ي ا ” .

كيف يكون اتخاذ القرار ؟

16 أبريل 2009

صفقات المتعة .
وما هي إلا لحظات حتى فعل جوابي في نفس محدثي ما شئتُ له أن يفعلَ ، فبان الارتياح على محياه ، وأشرق وجهُهُ ، وعلت الابتسامة ثغرَه ، وعاودته الرغبة في معاودة السرد ، قال :

أعرف لحظاتٍ تتحكم بي فيها رغبة جامحة في دخول السوق ، وتتملكني احاسيس غريبة لا يسهلُ علي التفلتُ منها . أحاسيس تملأ علي مشاعري ، وتشل أفكاري ، وتعطل كل قدرة فيّ على التحليل . احاسيس تستحيل صوتا ، بل أصواتا ، تطن في اذني : ألآن ، ألآن ، إشترِ ، علامَ تنتظر ؟

ودون إرادة مني ، ودون شعور واعٍ ، - وهنا تكمن المشكلةُ - أجدُ نفسي قد ضغطت على حيث يرسَلُ أمرُ الشراء الى السوق ، وتتم لي العملية . وما إن تتمّ لي العمليةُ ، حتى أبدأ بالخوف منها ، وأشرعُ في كرهها . وما من عملية مكروهة يمكنها أن تحقق الربحَ ، هي ساقطة لا مهربَ من ذلك .

ألأحاسيس هذه تحملني إلى طفولتي ، إلى الفرحة التي كانت تمتلكني إن فزتُ بلعبة جديدة ألهو بها ، هي تذكرني بالنشوة التي كانت تتحكمُ بي عندما كنت أركب دراجتي الصغيرة ساعيا لإظهار مقدرتي . هي تذكرني بفترة شبابي ، في أول عهدي بالقيادة ، بالمتعة التي كنت ابحث عنها وراء مقود السيارة ، فخورا بقدرتي على توجيهها حيث أشاء ، مزهوا بتميزي عن أقراني وتقدمي على رفاقي .

هذه اللذة ذاتها ، وهذه المتعة ذاتها ، وهذه النشوة ذاتها ، وهذه الفرحة ذاتها ، هي التي أبحث عنها الآن دون وعي مني ، في بحثي عن صفقة أفتحها . هي لذة التغلب على شيء ما ، هي متعة التميز عن شيء ما ، هي نشوة امتلاك شيء ما ، هي رغبة تحقيق الغلبة والنصر والإمتلاك .

هذه اللذة ، وهذه المتعة ، وهذه الفرحة التي أبحث عنها ، كلما كانت هي السبب في فتحي لصفقة ، كانت الصفقة خاسرة لا مُحال !!

نعم ، أنا اعرفُ بيتَ الداء ، ولا اجدُ له الدواء !

أنا اعرفُ أن الصفقات التي أفتحها إرضاء للذة ، وإشباعا لرغبة ، وتحقيقا لنشوة ، إنما هي كلها صفقات خاسرة . أنا اعرفُ ذلك ، ولا أستطيعُ للبلية ردا .

صفقات الحظ .

أنهى محدثي السرد ، مال الى فنجان كان قد نسيه على طاولة مجاورة ، ارتشف منه شيئا من القهوة ، صمت برهة ، ثم قال :

أقرأ احيانا تقارير الصحف الاقتصادية ، أبحث فيها عن المؤثرات التي يمكن ان توجه السوق أو تتحكم فيه ، أدقق في كل خبر وكل نبأ ، فلا يلفت ناظري شيئا بعينه ، ولا يرجح في تقديري رأي على رأي . أعمد الى التحليل الفني وأبحث فيه عن ضالتي . أريد صفقة تقنعني وأضمن الربح فيها . أدقق في كل المؤشرات . أرسم الخطوط وأحدد مناطق الدفاع والمقاومة . لا يلفت ناظري وجود حالة تستحق الوقوف عندها . حالة يصعب علي وصفها ، لكنني أعرفها، أعرفها جيدا ، فيما لو رأيتها . حالة أصر على العثور عليها الآن ، ولكنها تعصي علي . أستنفذ صبري . أقول : هذه مقاومة تبدو لي جيدة . أجرب البيع عليها . وأفتح بيعا عليها .

أفتح عملية البيع بعد أن أكونَ قد أدنتُ نفسي من فمي ، دون شعورٍ مني .

أما قلت : أجرب البيع عليها . أليست التجربة ضربا من ضروب الحظ ؟ أليس الإتكال على الحظ أسوأ أبواب التعامل وأشدها خطرا ؟

بلى هو كذلك . أنا أعرف ذلك . ورغم معرفتي ، لا أقوى على التملك برغبتي ، فأقع في الفخ .

صفقتي حظها في الربح قليل . هي صفقة حظ .

توقف محدثي عن الكلام ، ونظر الي كأنه يطلب رأيي في ما سمعت ، لم يأنس في رغبة في التعليق ، عاودته الرغبة في الحديث . قال :

وما قاله ، وما قلته يتبع سرده في الاسبوع القادم بإذن الله وعونه .

بين خضة ” رفكو ” وتقرير ” ميليس “

16 أبريل 2009

صدر يوم امس تقرير ” ديتليف ميليس ” الذي طال انتظاره من قبل كل الأفرقاء . صدر التقرير وسط أجواء محمومة وتساؤلات كثيرة حول امكانية تسييسه . الجواب المنطقي على هذا الأمر برأيي هو التالي : إنه لمن المستغرب أن لا يسيس تقرير ” ميليس ” ، ومن طبيعة الأمور ان يجري استغلاله . إن لم يُستغل فعلينا أن نلاحظ بأن شيئا ما ليس على ما يرام .
ان يجري تسييسه تعني ان يجري استغلاله من الجهات التي يمكن ان تستفيد من ذلك .

لا ، لا ، لا أريد ان أتحدث في السياسة ولكن هذه هي طبيعة الأشياء المرتكزة على مسلمات قانون الحتمية في الحياة .
هناك دوما من يبحث عن إفادة ، أو عن مناسبة يستسهل فيها إثبات رأي له ، أو جني ربح ، أو تقديم سلعة ، أو الترويج لخدمة . ولا شك أن القدر يقدم أحيانا ظروفا وأوقاتا يسهل فيها هذا الترويج الذي كان في ما سبق صعبا .

سقطت شركة ” رفكو ” في فخ المختلسين ، وشكلت رابع أكبر عملية تزوير واختلاس في الولايات المتحدة . المتعاملون مع رفكو سيستردون أموالهم قريبا . هذا ما أكده لي - على الأقل - أحد الثقات في الشركة .

سقطت ” رفكو ” إذا ، وهذا ليس مستغربا في عصرنا هذا ، ألأمر يمكن أن يحدث في أي مؤسسة مالية أو تجارية أو صناعية ، يمكن أن يحدث في أي بنك كبير أو صغير . عصرنا هذا زاد فيه التكالب وسقطت المحرمات .

كل ما سبق قوله أراه طبيعيا غير مستغرب . ما اراه مستغربا ، غير طبيعي ، هو ما سيأتي قوله .

تلقيت اتصالا هاتفيا من واحد من كبار البنوك الأوروبية - أقول البنوك - .
قال : انتم تتعاملون وتقدمون لعملائكم خدمة شركة FXCM .
أدركت منذ اللحظة ما يرمي اليه الرجل ، وقدرت سبب اتصاله في هذا اليوم بالذات ، إدراكي وتقديري كانا في محلهما . لم يكن المتصل الوحيد .
قلت : نعم قلت الصواب .
قال : والآن ، بعد سقوط شركة ” رفكو ” ألم تقتنعوا بعد بأن التعامل مع بنك أفضل ؟
قلت : هل إن البنك الذي تعمل فيه يزيد على شركة رفكو ضخامة ، وقوة ، وانتشارا ؟
قال : لا استطيع أن أدعي ذلك ، قد يزيد عنها ، أو ينقص عنها بقليل .
قلت : وهل تستطيع أن تعطيني ضمانة بأن البنك الذي تعمل له لن يتعرض لأزمة كما الأزمة التي تتعرض لها ” رفكو ” .
فهم الرجل أن محدثه عارف ببواطن الأمور ، فقرر أن يذهب ال لبّ الموضوع .
قال : لا ، لا يمكن لأحد أن يعطي هذه الضمانة . ولكن ثمة نقطة مهمة تلعب لصالحكم إن انتم تعاملتم معنا .
قلت : أفصح ، فأنا سامع لك .
قال : ان تعاملتم معنا ، فسيكون من السهل جدا عليكم إقناع** الزبائن بأن يتعاملوا معكم .
فكرت بكلمته . فهمت مرماها . أردت أن أسمعها منه . إستغبيت في لهجتي . سألت : بربك ، مزيدا من الإفصاح .
قال : إن قلتم للزبون إنه يتعامل مع بنك ، سيكون من السهل عليكم إقناعه** أسرع وأكثر من القول إنه يتعامل مع بروكر . كلمة بنك لها رنة مختلفة ، توحي بالثقة أكثر ، الرجل العربي يحبها . انا واثق ان فعلتم ذلك فلن تجدوا صعوبة في إقناع ** الزبائن .
إستغبيت نفسي مرة أخرى .
قلت : وإن فتح متعامل حسابا معكم . هل يرسل المال مباشرة الى حساب باسمه ؟
قال : لا طبعا يرسله الى حساب عام يشمل كل حسابات العملاء . التعامل بالفوركس يتم عبر هذه الوسيلة .
وأضاف : لكن صدقني ، عندما يسمع المتعامل انه يتعامل مع بنك مباشرة فهو لا يسأل عن هذه التفاصيل . سيكون من السهل عليكم إقناعه** .
قلت : تقصد سيكون من السهل علينا خداعه **** .
أدرك الرجل أن حجته لم تقع في نفسي موقع الرضا . تغيرت لهجته ، أخذ مسافة في الحديث . لاحظت ذلك ، لم أشأ ان ينهي المكالمة تحولت الى سائل .
قلت : وهل إن أموال العملاء عندكم مؤمنة ؟
عادت اليه بارقة أمل . قال بثقة المفتخر : طبعا ، طبعا ، مؤمنة الى حد ال 40.000 دولارا .
قلت : ألا تعرف إنها مؤمنة عندنا الى حد ال 100.000 دولارا ؟
قال : أعرف ، ولكن إن اعتمدتم فقد نجد طريقة نزيد بها التأمين .
شكرت الرجل على اتصاله ، وعدته بإحالة عرضه على المسؤولين لدراسته ، أنهيت المحادثة .

ألمهم في الحديث من وجهة نظري أمران :
ألأول هو تسييس قضية ” رفكو” ، والأمر يتطابق كليا مع إمكانية تسييس تقرير ” ميليس ” .
تسييسها يعني إستغلال الحدث من قبل المستفيدين من الحدث وهذا أمر طبيعي كما أسلفت . إستغلاله لتحقيق مكاسب خاصة ، واستعماله كمادة لدعاية خاصة .
ألثاني هو المخادعة في التسييس ، والأمر هنا ايضا يتطابق كليا مع إمكانية المخادعة في تسييس تقرير ” ميليس ” .
المخادعة بمعنى تضخيم الناحية في الحدث التي يلحق منها ضررا للخصم ، وتحجيم الناحية التي يمكن ان يلحق منها ضررا لصاحب الدعاية - أي للمخادع ذاته - ، او حتى إخفاؤها كليا . هذا ما جعلني أجيب الرجل بلهجة لا تخلو من السخرية :” تقصد سيكون من السهل علينا خداعه *** .”
ألإستغلال في الحالتين - حالة ” ميليس ” وحالة ” رفكو ” - لم يفاجئني ، لم يثر استغرابي ، هو بنظري طبيعي ومن مسلمات الامور .
هناك دوما من يبحث بين الجثث ، في ساحة المعركة ، عن غنيمة ما . هذا الفريق يعتبر نفسه الرابح الاكبر في المعركة ، ان هو عثر على شيء ما ، ولو كان تافها ، مثل ضرس مطلية بالذهب بين فكين مهشمين .

نأتي الى وجه آخر من الموضوع .
من الطبيعي ان يصاب عملاء شركة “رفكو” بالذعر عندما يسمعون أن شركتهم تتعرض لهذه الهزة . الخوف هو أمر طبيعي لا يمكن تخطيه في مثل هذه الحالات . المودع له الحق بأن يقلق لكن التطمينات والتأكيدات هي جدية ، عملاء ” رفكو ” سيستردون أموالهم قريبا . الذي لا يمكن تطمينه هو حامل أسهم شركة ” رفكو ” وليس المتعامل معها . حامل أسهمها لا بد أن يتحمل الخسارة .

والى محاولة تشريح منطقي للأمر .

من الطبيعي ان يتساءل كل متعامل بهذه المناسبة عما إذا كانت الشركة التي يتعامل معها تتمتع بحصانة . السؤال مشروع والجواب هو طبعا معروف : كل شركة وكل مؤسسة وكل بنك ، مهما كبر أو صغر هو عرضة لخضة من هذا النوع . إن امكانية سقوط شركة كبيرة في فخ كهذا تقل نسبتها كثيرا عن نسبة سقوط الشركات الصغيرة . هناك كل يوم أكثر من حالة تأسيس لشركات مبتدئة ، وحالات إختفاء لشركات صغيرة ، كانت موجودة بالامس في السوق ، الخبر لا يصل الى أسماعنا ، هو خبر عادي .
إذا ما هو متداول بين العامة صحيح :
إن إحتمال سقوط الشركات أو البنوك الكبيرة هو أقل بكثير من إحتمال سقوط الشركات أو البنوك الصغيرة . ألأسباب التي تؤدي الى سقوطها أقل بكثير من الأسباب التي قد تؤدي الى سقوط الشركات أو البنوك الصغيرة . هذه الأسباب تكاد تنحصر بالإختلاس فقط .
ألآن تعرضت شركة ” رفكو ” لخضة لم تعد تفاصيلها خافية على أحد . ليس هذا المهم . ألمهم هو التالي :
بحسب قانون الحتمية لا يمكن ان تكون هذه الخضة هي الأخيرة في سلسلة الفضائح أو الخضات التي تتعرض لها كبار الشركات . إذا لا بد أن تحصل مستقبلا حالة مشابهة ، لأن هناك مختلس جديد - بعد ” ديك تشيني ” في قضية ” اينرون ” قبل سنتين ، وبعد ” فيليب بينيت ” في قضية ” رفكو ” اليوم - سيبرز على الساحة وسيكون سببا بخضة لشركة ما .
بحسب قاون الحتمية هناك خضة جديدة بعد سنة او بعد سنتين ربما . لكن ، بحسب قانون النسبية يُستبعد التالي بنسبة عالية :
يُستبعد أن تكون الخضة التالية قريبة من الحالية من حيث الزمن ، فلا بد من وقت يفصل الخضتين عن بعضهما .
يُستبعد ان تكون الخضة التالية في شركة او في بنك اميركي . في أوروبا وفي آسيا ايضا نسبة عالية من المختلسين .
يُستبعد أن تكون الخضة التالية في مؤسسة مالية ، فالمؤسسات التجارية والصناعية لها ايضا حصتها من المختلسين .
هذا ما يفرضه قانون النسبية . وهذا يمكن ان يريح أعصاب المتعاملين في سوق المال .

ناتي الى FXCM :

لنجري عملية تشريح للأمر بهدوء وقلة انفعال .

أنا أعرف ، ومنذ فترة طويلة ، أن شركة رفكو تمتلك نسبة ضئيلة من شركة FXCM . لم اهتم للأمر في الماضي ، لا زلت لا أهتم له كثيرا اليوم . هذا ليس مدعاة اضطراب وهستيريا لي . إن كنت اعرف أن عملاء ” رفكو” صاحبة العلاقة المباشرة سيستردون أموالهم في غضون أيام ، فهل اقلق على عملاء غيرها من الشركات ؟
لم أهتم في الماضي بمعرفة النسبة التي تمتلكها ” رفكو ” . سمعت عَرَضا بأنها 20% . في هذه الأيام ترامى الى مسامعي أن كتاب المنتديات رفعوا النسبة الى 35% . لا اعرف مقدار الصحة بهذه الأخبار وهي لا تهمني كثيرا . أعتقد انه موسم أخبار .
لم أهتم لهذه الأمور لماذا ؟
منذ اليوم الأول للحدث عمدت الى تحليل الوضع ، وصلت خلال دقائق الى النتيجة المنطقية : لا بد ان تسترد Fxcm الحصة التي امتلكتها ” رفكو ” فيها . لم أعمد الى نصح FXCM بهذا الحل . لم أعمد الى سؤالهم عما ان كان قد خطر ببالهم . أنا اعرف مستوى ذكاء الإدارة . ليسوا بحاجة لتنبيه على ضرورة هذه الخطوة . هذا منطق الأمور . لماذا نشغل انفسنا في مضغ ما لا طائلة منه . أرضاني هذا التحليل . إنصرفت عن التفكير بالأمر .
بالأمس وفي آخر بيان صدر عن FXCM قرأت التالي : ” الشركة هي في حالة تفاوض متقدمة لشراء حصة ” رفكو ” المتواضعة فيها . لم أسارع لتهنئة الشركة على هذه الخطوة . إكتفيت بتهنئة نفسي لكوني قد قرأت المستقبل بشكل صحيح .

ولكن ان لم توفق FXCM بشراء هذه الحصة ؟
هذا لا يعني شيئا . طبعا ان شركة أخرى ستشتريها . يعني مالك آخر غير ” رفكو ” سيمتلك حصتها . لم يتغير شيء .
FXCM غير معنية بخضة ” رفكو ” . لا داعي للقلق . لا داعي للتساؤل .
دعوتي للأخوة المتعاملين هي التالية : ركزوا على التعامل الصحيح ، إحرصوا على الإبتعاد عن المغامرات في التعامل . إن لم تخسروا أموالكم في مثل هذه المغامرات المجنونة ، فإن دولارا واحدا لن يضيع عليكم في شركة FXCM .
الشركة بألف خير . هي مراقبة من أكثر من منظمة . ركزوا على عملكم . هذا بيت القصيد .

Preview on Feedage: %D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%88%D8%B1%D9%83%D8%B3 Add to My Yahoo! Add to Google! Add to AOL! Add to MSN
Subscribe in NewsGator Online Add to Netvibes Subscribe in Pakeflakes Subscribe in Bloglines Add to Alesti RSS Reader
Add to RSS Web Reader View with Feed Reader Add to NewsBurst Add to meta RSS Add to Windows Live
Rojo RSS reader iPing-it Add to Feedage RSS Alerts

  Feedage Grade D rated